السيد كمال الحيدري
288
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
وفيه جانب مجرّد . ويظهر ذلك جليّاً في سلوك أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يُغمى عليه في الليل خوفاً من الله تعالى ، ولكنّه في النهار أسد في المعارك والحروب ، ولا تنافي بين الأمرين ، لأنّ ذاك الجانب يحتاج إلى هذا الجانب ، والجانب الروحي المجرّد إنّما يروي ذاك الجانب ، ويُعطي القدرة والفاعليّة لجانب المادّة ، والمادّة لا يمكن أن يستفاد منها إلّا ببُعدها المجرّد ، وكذا البُعد المجرّد لا يمكن للإنسان أن يدخل إليه إلّا من خلال المادّة . ومن هنا نرى الإمام الخميني يُشكِل على أولئك الصوفيّين الذين يقولون نحن يمكننا أن نتجاوز ظاهر الشريعة إلى باطنها بلا احتياج إلى ظاهرها ، ويقول الإمام بأنّ هذا الأمر مُحال ، كما يشير إلى ذلك في كتابه « الآداب المعنويّة » حيث يصرّح بأنّه محال للإنسان أن يتجاوز الظاهر إلى الباطن ؛ لأنّ هذا الباطن طريقه من الظاهر ، من الشريعة وأحكامها ، ومن الارتباط بالناس . . . وفي نظره الشريف صحيح أنّ التقوى لها بُعدها الفردي كالصلاة والصيام . . ولكن الإنسان إذا لم يقُم بوظائفه الاجتماعيّة فتقواه ناقصة . وهذا يقودنا إلى البحث والتأمّل في معنى الشخص العادل ، فهل العادل هو الذي يصوم ويصلّي ولا يكذب ولا يسرق . . . ؟ أو أنّه عليه بالإضافة إلى ذلك القيام بالوظائف الاجتماعيّة ؟ نعم ، إنّ عدم القيام بمثل هذه الوظائف الاجتماعيّة يؤدّي إلى الخلل في التقوى ، والخلل في الرؤية وفي العمل .